تاريخ بناء المشهد الحسيني

( كاني بالقصور وقد شيدت حول قبر الحسين وكأني بالأسواق قد حفت حول قبره ، فلا تذهب الليالي والأيام حتى يسار اليه من الآفاق وذلك عند انقطاع ملك بني مروان ) . السجاد علي بن الحسين (ع) كان أول بناء أقيمت معالمه في الحائر على الرمس الأقدس الحسيني ، والعمران الذي أحاطه ولم تتطاول اليه يد العدوان بالهدم ليومنا هو الذي أمر به الخليفة محمد المنتصر سنة سبع وأربعين ومائتين هجرية .
وأول من اتخذ الحائر وطنا ودار اقامة من العلويين ولم يتحولوا منها كما مر آنفا هو تاج الدين ابراهيم المجاب بأعقابه ، من ولده محمد الثاني الحائري في شوال سنة (247) هجـ (2) حتى يومنا هذا . وأما معرفة أول بناء أقيم على الرمس الأقدس بعد شهادته سلام الله عليه ، ومن قام به ، وفي أي تاريخ . وصورة البناء . لم يتحقق خبره لما لم يصرح به في مصدر ثقة يعول عليه .
وقد حدثني المتغمد بالرحمة السيد حسن الصدر الكاظمي نقلا عن تسلية المجالس لمحمد بن أبي طالب ، ( انه اتخذ على الرمس الأقدس لعهد الدولة المروانية مسجدا ) . الا أنني لم أقف ليومي هذا على أي أثر لهذا الكتاب (3) .
____________
(1) مزار بحار الأنوار للمجلسي ص 110 ج 22 طبع كمبني .
(2) مدينة الحسين للسيد حسن الكليدار نقلا عن الجنات الثمانية للسيد محمد باقر بن مرتضى .
(3) وقد أحالني السيد المار ذكره ، الوقوف على هذا المصدر بوجوده عند أحد الأفاضل نفى ذلك الفاضل فضلا عن رؤيته حتى العلم بخبره . راجع نزهة الحرمين ص 28 للسيد الصدر .

( 61 )

والمستفاد من خبر الحسين بن أبي حمزة الثمالي ثابت بن دينار عند ما قصد زيارة الحسين (ع) قادما من الكوفة لأواخر عهد الدولة الأموية ، ذكر باب الحائر وكرر لفظه بينما ابن اخته الحسين اقتصر على ذكر القبر دون ايراد لفظ الباب (3) . ومن الممكن ان لم يكن يقصد بالباب حدود حومة الحائر ، وجود بناء على سبيل الاجمال على التربة الطاهرة ، وكلاهما يصرخان انهما كانا على خوف ووجل من القتل ، وصرح ابن الثمالي بوجود المسلحة المطوقة للحفرة الطاهرة من الجند الاموي للحيلولة دون من يؤم قصده .
كان لحركة الشيعة في استعراضهم لجند الشام بعين الوردة بزعامة سليمان بن صرد الخزاعي واستماتتهم بطلب ثأر الحسين ، واعادتهم الكرة تحت لواء ابراهيم الأشتر واستقصائهم للجندي الأموي مع زعيمهم ابن زياد مستهونين غير محتفين بكل ما سامهم معاوية من خطوب وخسف ، وما أذاقهم من مر العذاب وصنوف التنكيل بغارات بسر بن ارطأة وصلب وقتل وسمل في ولاية زياد بن أبيه وسمرة بن جندب ، وابن زياد . مما خلف أثرا عميقا سيئا في نفوس آل مروان ودويا هائلا . فبعد أن تسنى لعبد الملك ابن مروان وصل حلقات فترة الحكم الذي دهم دور حكم آل أمية بموت يزيد باقصائه آل الزبير عن منصة الحكم والامرة ، أراد أن يستأصل الثورة من جذورها ، لذلك اتبع سياسة القسوة والشدة تجاه أهل العراق ، وضغط ما لا مزيد عليه لمستزيد ، خصوصا في ولاية الحجاج بن يوسف .
ونهج خلفاؤه عين خططه دون أي شذوذ مع تصلب بالغ كأبن هبير ،
____________
(4) يقول في خبر طويل بعد ان نزل الغاضرية وقد ادركه الليل وهدأت العيون ونامت ، أقبل بعد ان اغتسل يريد القبر الشريف يقول : ( حتى اذا كنت على باب الحير . . . وساق في خبره وقد كرر لفظ الباب حيث يقول بعد ذلك : فلما انتهيت الى باب الحائر . . . ( اقبال الاعمال لابن طاووس ص 28 ) ومجلد المزار من بحار الانوار جـ 22 ص 120 .
( 62 )

وخالد بن عبد الله القسري ، ويوسف بن عمر .
فترى مما تقدم أن من المستحيل افساحهم المجال بأن يشيد بناء على قبر الحسين (ع) ويكون موضعا للتعظيم والتقدير . مما يتنافى وسياستهم المبنية على الكراهية لآل البيت ، والتنكيل بشيعتهم .
وان سلمنا بتحقق خبر الحسين بن أبي حمزة الثمالي على سبيل استدراك لورود لفظ الباب ، من الممكن أن نقول ( أي وجود بناء ) في الفترة بين سنة أربع وستين لاحدى وسبعين ، ونلتزم بتغاضي المروانيين من التعرض لهم ، وبقائه ليوم ورود الحسين بن بنت أبي حمزة الثمالي لزيارة الضريح الأقدس .
وورد خبر لا يوثق به ولا يعول عليه ، من أن المختار بن أبي عبيدة الثقفي بنا على القبر الشريف وأقام حوله قرية (6) . وقيل ان سكينة بنت الحسين (ع) أقامت بناء على الرمس الأقدس أمد اقترانها بمصعب في ولايته للكوفة ففي أمد الفترة لسنة ست وستين عندما أم التوابون ( عند مسيرهم للتلاقي مع جند عين الورده ) التربة الزاكية . وازدحموا على القبر
____________
(5) جاء في مزار بحار الأنوار للمولى محمد باقر المجلسي ص 120 ما نصه ( عن الحسين بن بنت ابي حمزة الثمالي قال : خرجت في آخر زمان بني مروان الى قبر الحسين (ع) مستخفيا من أهل الشام حتى انتهيت الى كربلاء ، فاختفيت في ناحية القرية حتى اذا ذهب من الليل نصفه اقبلت نحو القبر فلما دنوت منه . . . حتى كاد يطلع الفجر اقبلت . . . فقلت له عافاك الله ، وأنا أخاف ان أصبح فيقتلوني أهل الشام . ان ادركوني ها هنا . . . وصليت الصبح واقبلت مسرعا مخافة اهل الشام .
(6) ذكر هذا القبر صاحب كنز المصائب دون اسناد ، وفضلا عن ذلك فان هذا الكتاب لا يعتمد عليه كثيرا لما حشي متنه من الأخبار الغير واردة . وقد ذكر هذا الخبر عند سرده لما دار بين المختار ومصعب بن الزبير . وعدد المواقع التي دارت بينهم والتي انتصر في جميعها المختار

( 63 )

كأزدحام الناس على الحجر الأسود (7) . لم يكن حينذاك ما يظل قبره الشريف أي ساتر . واستقصوا أمد البقية من الفترة ، المختار بن أبي عبيدة الثقفي ، ومصعب ، وابن أخيه حمزة . فالأخبار الواردة في زيارة الحسين (ع) عن السجاد علي والباقر (8) محمد بن علي (ع) ( لكونهما قضيا حياتهما في الدولة المروانية ) يشفان عن خوف ووجل .
ومما يؤيد وجود بناء بسيط ( بل له بعض الشأن ) على القبر الشريف في زمن ورود الحسين بن بنت أبي حمزة للزيارة ما جاء من الأفاظ في الزيارات الواردة عن الصادق سلام عليه لجده الحسين (ع) (9) حيث يقول في خبر . . . . بعد الغسل بحيال قبره الشريف في الفرات . فتتوجه الى القبر حتى تدخل الحير من جانبه الشرقي وتقول . . . . ثم اذا استقبلت لقبر . . .ٌثم أجلس عند رأسه الشريف . . . . ثم تحول عند رجليه . . . ثم تحول عند رأس علي بن الحسين . . . . ثم تأتي قبور الشهداء (10) وفي خبر المفضل بن عمر عن الصادق سلام الله عليه : اذا أتيت باب الخير
____________
وهزيمة مصعب ، الى ان تمكن مصعب من المختار آخر الأمر . واذ لم ترد مثل هذه الأخبار في الكتب التأريخية ـ والمعروف بل المحقق انه لم يكن بين المختار ومصعب من مواقف سوى ما كان بالمذار ، ثم تحصن المختار بقصر امارة الكوفة الى ان قتل ـ لذا قل الاعتماد على ما ورد في هذا الكتاب من قيام المختار بتشييد قبر الحسين (ع) . وان كان المحل مناسب لاعطاء مثل هذه النسبة له ، كيف لا وقد قام المختار بأخذ ثأر الحسين وقتل قاتليه وصلبهم واحرق بعضهم بالنار ، فلا يبعد من ان يقوم بتشييد قبره الشريف . الا اننا نحكم بوقوع مثل هذا الأمر وجدانا لا استنادا على ما ورد في هذا الكتاب ، للأسباب السالفة .
(7) تاريخ الطبري جـ 7 ص 70 وكان ذلك سنة 65 هـ .
(8) مجلد المزار ج 22 ص 110 .
(9) فقد توفي الصادق (ع) سنة 148 والثمالي توفي في زمن المنصور .
(10) مجلد المزار ص 145 .

( 64 )

فكبر الله أربعا وقل . . . . (11) وفي خبر ابن مروان عن الثمالي عند آخر فصول الزيارة يقول ثم تخرج من السقيفة وتقف بحذاء قبور الشهداء وتومئ اليهم وتقول . . . . (12) . وفي خبر صفوان الجمال عن الصادق (ع) يقول : فاذا أتيت باب الحائر فقف وقل ، ثم تأتي باب القبة وقف من حيث يلي الرأس وقل . . . . ثم اخرج من الباب الذي عند رجلي علي بن الحسين (ع) . وقل . . . . ثم توجه الى الشهداء وقل (13) . وفي خبر آخر عن صفوان يقول فاذا أتيت الباب فقف خارج القبة وارم بطرفك نحو القبر وقل . . . . ثم ادخل رجلك اليمنى القبر وأخر اليسرى ، ثم ادخل الحائر وقم بحذائه وقل . . . . (14) . وهذا ما يدلك على ان له بابا شرقيا وغربيا .
فخلاصة القول ان المستفاد من هذه الزيارات هو وجود بناء ذو شأن على قبره في عصر الصادق سلام الله عليه .
ومع هذا فقد كان الأمويون يقيمون على قبره المسالح لمنع الوافدين اليه من زيارته . ولم يزل القبر بعد سقوط بني امية وهو بعيد عن كل انتهاك وذلك لانشغال الخلفاء العباسيين بادارة شؤون الملك . ولظهورهم بادئ الأمر مظهر القائم بارجاع سلطة الهاشميين . وهو غير خفي ان القائمين بالدعوة كانوا من أهل خراسان ، وأكثر هؤلاء ان لم نقل كلهم كانوا من أنصار آل البيت .
ولما رسخت قدم العباسيين في البلاد وقمعوا الثورات جاهروا بمعاداة شيعة علي (ع) . ولكنها كانت خفيفة الوطأة أيام السفاح ، فتوارد الزائرون
____________
(11) نفس المصدر ص 148 .
(12) نفس المصدر ص 105 .
(13) نفس المصدر ص 159 .
(14) نفس المصدر ص 179 .

( 65 )

لقبر الحسين من شيعته عند سنوح هذه الفرصة جهارا . واشتدت الوطأة أيام المنصور بوقيعته بوجوه آل الحسن (15) . وخفت ثانية في أيام المهدي والهادي ، فلما كانت أيام الرشيد (16) ، وكانت قد استقرت الأوضاع وثبتت دعائم الحكم وقضت على ثورات العلويين بما دبرته من طرق الغدر والخيانة . فأرغمت أنوفهم الحمية وأخمدت نفوسهم الطاهرة فأرادت القضاء عليهم في محو قبور الحمية وأخمدت نفوسهم الطاهرة فأرادت القضاء عليهم في محو قبور أسلافهم فسلكوا سلوك بني أمية اذ أمر الرشيد بهدم قبره الشريف ومحو أثره فأخذت الشيعة الوسائط بالاهتداء الى تعيين موضع القبر وتعيين محل الحفرة منها السدرة ، فبلغ الرشيد ذلك فأمر بقطعها (17) ثم وضع المسالح على حدوده الى أن انتقل الى طوس ومات فيها . فلم يتتبع الأمين ذلك لما كان منشغلاً باللهو والطرب وصنوف المجون والبذل ، فاغتنموا الحال وبادروا الى تشييد قبره الشريف وقد اتخذوا عليه بناء عاليا .
ولما جاء دور المأمون وتمكن من سرير الخلافة تنفس الشيعة الصعداء واستنشقوا ريح الحرية . ولم يتعرض لذلك . وكان المأمون يتظاهر بحبه لآل البيت حباً جماً حتى انه استعاض بلبس السواد وهو شعار العباسيين بلبس الخضرة وهو شعار العلويين وأوصى بالخلافة من بعده لعلي الرضا
____________
(15) مروج الذهب للمسعودي . ج 2 ص 171 .
(16) الظاهر ان الرشيد لم يتعرض لقبر الحسين الا في أخريات أيامه ، ولعل سبب ذلك غضبه مما كان يشاهد من اقبال الناس لزيارة الحسين (ع) وتعظيمه والسكنى بجواره ، وكان قبل ذلك يجري ما أجرته أم موسى من الاموال على الذين يخدمون قبر الحسين في الحير . ( انظر الطبري ج 10 ، ص 118 ) . ( عادل )
(17) روى ذلك محمد بن الحسن الطوسي في ( أماليه ، ص 206 طبع ايران ) بسنده الى جرير بن عبد الحميد . وذكر انه عندما سمع جرير بالخبر رفع يديه قائلا الله أكبر جاءنا فيه حديث عن رسول الله (ص) انه قال : لعن الله قاطع السدرة ثلاثا ) . فلم نقف على معناه حتى الآن .

( 66 )

ابن موسى الكاظم (ع) ولعل ذلك كيد منه وكان هذا الوقوع بعد قتل أخيه الامين واسترضاء لمناصريه الخراسانيين . وقد زعم البعض انه هو الذي شيد قبره الشريف وبنا عليه لهذه الفترة (18) وفي ورود أبي السرايا بن السري بن المنصور الى قبر الحسين (ع) أيام المأمون عام تسعة وتسعين بعد المائة حين قام ببيعة محمد بن ابراهيم بن اسماعيل طباطبا بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن السبط دليل على تشييد قبر الحسين (19) بعد مضي الرشيد الى طوس .
وبقي الحال على هذا المنوال والشيعة في حالة حسنة حتى قام حول قبره الشريف سوقا واتخذت دورا حوله وأخذ الشيعة بالتوافد الى قبره للسكنى بجواره الى أن كان من المغنية الشهيرة التي قصدت من سامراء في شعبان زيارة قبره الشريف ، وكانت تبعث بجواريها الى المتوكل قبل أن يلي الخلافة يغنين له اذا شرب وقد بعث اليها بعد استخلافه ، فأخبر بغيبتها . فأسرعت بالرجوع عندما أبلغها الخبر بطلب المتوكل لها . فبعثت اليه بجارية وكان يألفها فقال لها أين كنتم . قالت : خرجت مولاتي الى الحج وأخرجتنا معها . فقال الى أين حججتم في شعبان . قالت : الى قبر الحسين (ع) فأستطير غضبا (20) وفيه من بغض آل أبي طالب ما هو غني عن البيان . فبعث بالديزج بعد أن استصفى أملاك المغنية ـ وكان الديزج يهوديا قد أسلم ـ الى قبر الحسين وأمره بحرث قبره الشريف ومحوه وهدم كل ما حوله من الدور والأسواق فمضى لذلك وعمل بما أمر به وقد حرث نحو ماءتي جريب من جهات القبر . فلما بلغ الحفرة لم يتقدم
____________
(18) نزهة الحرمين للعلامة السيد حسن الصدر مخطوط نقلا عن تسلية المجالس .
(19) أنظر مقاتل الطالبيين لابن الفرج الاصبهاني ص 341 ط النجف .
(20) نفس المصدر ص 386 .

( 67 )

اليه أحد . فأحضر قوما من اليهود فكربوه ، وأجرى الماء عليه (21) فحار الماء عند حدود قبره الشريف (22) ، ثم وكل به المسالح بين كل مسلحتين ميل ، ولا يزوره أحد الا وأخذوه ووجهوا به الى المتوكل (23) فحصل للشيعة من ذلك كرب عظيم ، لما طرأ على قبره من الجور ولم يعهد مثله الى هذا الحد . فضاق بمحمد بن الحسين الأشناني بعد طول عهده بالزيارة فوطن نفسه على المخاطر وساعده رجل من العطارين فخرجا يمكثان النهار ويسيران الليل حتى بلغا الغاضرية وخرجا منها نصف الليل فسارا بين مسلحتين وقد ناموا حتى دنا من القبر الشريف . فخفى عليهما موضعه فجعلا يتحريان موضع القبر حتى أتياه وقد قلع الصندوق الذي كان عليه واحرق ، وفي الموضع اللبن ، قد خسف وصار الخندق فزاراه وانكبا عليه وقد شما من القبر رائحة ما شما مثلها قط من الطيب . فقال الاشناني للعطار أي رائحة هذه فقال والله ما شممت مثلها بشيء من العطر . فودعاه وجعلا حوله علامات في عدة مواضع . وبعد قتل المتوكل حضر مع بعض الطالبيين والشيعة فأخرجوا العلامات وأعادوا القبر الى ما كان عليه أولا .
وقد نالت الشيعة شيء من الحرية على عهد المنتصر . وكان هذا محبا لآل البيت مقربا لهم رافعا مكانتهم معظما قدرهم . ومن حسناته اليهم انه شيد قبر الحسين (ع) . ووضع ميلا عاليا يرشد الناس اليه (24) . وذلك في عام السابع والأربعين بعد المائتين . ولم يهدم بناء المنتصر ظلما لعدم تعرض أخلافه له . لما ظهر من الوهن في دولتهم ، وانحلال أمرهم وتسلط الأتراك عليهم ، وانشغالهم بأنفسهم ، وفي خلافة المسترشد ضاقت الأرض على رحبها على الشيعة . وذلك عندما أمر بأخذ جميع ما اجتمع من هدايا
____________
(21) نفس المصدر ص 386 .
(22) نفس المصدر ص 386 .
(23) نفس المصدر ص 387 .
(24) فرحة الغري لعبد الكريم بن طاووس .

( 68 )

الملوك والأمراء والوزراء ، والأشراف من وجوه الشيعة من الأموال والمجوهرات في خزانة الروضة المطهرة ، وأنفقه على العسكر ، واعتذر بأن القبر لا يحتاج الى الخزانة (25) . الا انه لم يتعرض للبناء ولم يمسه لقصور يده وضعف شأنه لا لشيء آخر .
وكان البناء الذي شيد في عهد المنتصر قد سقط في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين ومائتين (26) . فقام الى تجديده محمد بن زيد القائم بطبرستان في خلافة المعتضد بالله العباسي (27) لسنة ثلاث وثمانين ومائتين (28) . وقد أخذ حال القبر الشريف منذ تشييد المنتصر اياه بالعروج الى مدراج العمران يوما بعد يوم حيث أمن الناس من اتيانه واتخاذ الدور عند رمسه .
وقد زار القبر عضد الدولة بن بويه سنة ( 370 هـ ) بعد أن بالغ في تشييد الأبنية حول الضريح وزخرفتها (29) وكان آل بويه يناصرون الشيعة . وقد استحفل التشيع على عهدهم حتى ان معز الدولة أمر سنة 352 باقامة المآتم في عاشوراء ، وكان ذلك أول مأتم اقيم في بغداد .
____________
(25) المناقب لابن شهر آشوب ج . ص . وكان ذلك سنة 511 هـ .
(26) فرحة الغري ص 61 .
(27) جاء في بحر الأنساب ( العائد لخزانة المرحوم الشيخ عبد الحسين شيخ العراقيين الطهراني ) عند ذكره لنسب المعتضد بالله العباسي بقوله : وأمر بعمارة مشهد الغري بالكوفة ومشهد كربلاء ، وافتقد الخزائن بدار الخلافة ، فاخرج منها ما وجده من نهب الواثق من مال مشهد الحسين بن علي (ع) واعاده اليه .
(28) فرحة الغري ص . وكان محمد بن زيد هذا دائم التصدق على العلويين في المشاهد فقد بعث في خلافة المعتضد بالله اثنتين وثلاثين الف دينار لمحمد بن ورد ليفرقها على العلويين ( أنظر الكامل ج 6 ص 80 . والطبري جـ 12 ص 346 ) .
(29) تسلية المجالس لمحمد المجدي بالفارسية طبع حجر .

( 69 )

( وعندما عفى ضد الدولة عن عمران بن شاهين البطائحي بنى الرواق المشهور برواق عمران بن شاهين في المشهدين الشريفين الغروي والحائري على مشرفهما السلام ) (30) وفي سنة سبع وأربعمائة هجـ : احترق الحرم الشريف اثر اندلاع حريق عظيم ، كان سببه اشعال شمعتين كبيرتين سقطتا في الليل على التأزير واحترق ، وتعدت النار بعد الحرق القبة الى الأروقة (31) فكان البناء على القبر الشريف بعد وقوع هذا الحريق ما وصفه الطنجي في رحلته ، الا اني لم أقف على خبر من شيد هذا البناء ، وفي أي تاريخ كان ذلك (32) . لعله كان قد تبقى شيء من البناء الذي
____________
(30) فرحة الغري ص 67 .
(31) الكامل لابن الاثير : جـ 9 ص 110 ط ليدن . وجـ 7 ص 295 من ط القاهرة . والمنتظم لابن الجوزي جـ 7 ص 283 . البداية لابن كثير : جـ 12 ، ص 4 . والنجوم الزاهرة لابن تغري بردى : جـ 4 ، ص 241 .
(32) ذكر كل من العلامة السيد حسن الصدر الكاظمي في نزهة الحرمين ص 35 . والعلامة السيد محسن الأمين العاملي في أعيان الشيعة جـ 4 . ص 302 . ـ ومن أخذ عنهما ـ ان ابا محمد الحسن بن الفضل بن سهلان وزير سلطان الدولة البويهي ، هو الذي جدد بناء الحائر بعد وقوع هذا الحريق . لكن المصادر التي عولوا عليها لم تنسب الى ابن سهلان هذا سوى بناء سور الحائر وليس تجديد بنائه . كما في المنتظم جـ 7 ص 283 . والبداية والنهاية جـ 12 ص 16 . ومجالس المؤمنين ص 211 . والنجوم الزاهرة جـ 4 ص 259 ، هذا فضلا عن ان ابن سهلان بدأ ببناء سور الحائر في سنة 400 هـ أي قبل وقوع الحريق بسبعة أعوام . وهي نفس السنة التي أمر ببناء سور على مشهد أمير المؤمنين (ع) ( الكامل جـ 7 ص 249 . ط القاهرة ) . فقد ورد في المنتظم جـ 7 ص 246 : وفي جمادة الأولى ( سنة 400 هجـ ) بدأ ببناء السور على المشهد بالحائر وكان أبو محمد الحسن بن الفضل بن سهلان قد زار هذا المشهد واحب أن يؤثر فيه مؤثرا ثم ما نذر لأجله أن يعمل عليه سور حصينا مانعا لكثرة من يطرق الموضع من العرب وشرع في قضاء هذا النذر ، ففعل وعمل السور واحكم وعرض ونصبت عليه أبواب وثيقة وبعضها حديد : وتمم وفرغ منه ، وتحسن المشهد به وحسن الأثر فيه . ـ عادل ـ

( 70 )

شيده عضد الدولة . الى أن شيد عليه البناء الموجود اليوم على القبر الشريف . أو أنه قد جدده ـ بعد الحريق ـ أخلاف عضد الدولة . اذ كانت دولتهم قائمة عند وقوع الحريق .
هذا وكان اكمال بناء الحرم في سنة سبع وستين وسبعمائة . وقد أمر بتشييده السلطان اويس الايلكاني ، وأتمه وأكمله ولده السلطان حسين (33) .
____________
(33) زينة المجالس لمحمد المجدي ـ مخطوط باللغة الفارسية ص 84 ، والمجدي من معاصري الشيخ البهائي . وقد صنف كتابه هذا سنة 1004 هجـ ـ فقد جاء فيه : الى ان أمر السلطان اويس الايلخاني ، وابنه السلطان حسين ببناء عمارة عالية .
وللسيد المؤلف ( عبد الحسين ) ملاحظة مهمة في هذا الخصوص ، خطر لي ان اثبتها هنا .
يقول : ذكر سماحة السيد محسن الأمين العالمي في المجلد 3 ص 593 ، من اعيان الشيعة . قال فضيلته عن آخر كتاب الأماقي في شرح الايلاقي لعبد الرحمن العتايقي الحلي المجاور بالنجف الأشرف ، في نسخته المخطوطة في خزانة العلوية الذي تمت كتابته في محرم سنة 755 هجـ . قال : ( في هذه السنة احترقت الحضرة الغروية صلوات الله على مشرفها ، وعادت العمارة وأحسن منها في سنة 760 سبعمائة وستون ) انتهى . اقول : هذا الحريق هو الذي ذكره ابن مهنا الداودي في العمدة ص 5 . ولكنه لم يذكر اسم المجدد للبناء الذي شيد على الروضة المطهرة الحيدرية . حيث المدة تقارب زمن البناء الذي قام به السلطان اويس وولده السلطان حسين الايلكانية في سنة (767) على قبر الحسين سلام الله عليه الموجود اليوم على الروضة الطاهرة . من المقتضي ان يكون السلطان حسين الايلكاني هو منفردا اقام البناء على الروضة الطاهرة الحيدرية . وبالخاصة لموقع قبورهم التي ظهرت في سنة الخامس عشر بعد الثلاثمائة والألف هـ وسط الصحن الشريف ما يلي باب الطوسي ، أحد أبواب الصحن الشريف في القسم الشمالي من الروضة الزاكية . اذ ظهر سرب فيه ثلاثة قبور على احدهم في القاشاني مرقوم ( توفي الشاهزاده الأعظم معز الدين عبد الواسع في 15 جمادى الاول سنة 790 ) وعلى لوح القبر الثاني ( هذا ضريح الطفل الصغير سلالة

( 71 )

وكان تاريخ هذا البناء موجودا فوق المحراب الذي موضعه اليوم الرخام المنعوت بنخل مريم (34) فيما يلي الرأس الشريف . وقد شاهد ذلك التأريخ بنفسه محمد بن سليمان بن زوير السليماني ، وذكره في كتابه المسمى بـ ( الكشكول ) . وقد كان انزال هذا التاريخ سنة السادس عشر بعد المائتين والألف ( 1216 ) ومن موضعه ، عند عمل المرايا والتزيينات للحرم الشريف بأمر محمد علي خان القواينلو . كما تشير الى ذلك الكتيبة
____________
السلاطين الشاهزادة بن الشيخ اويس طاب ثراه . توفي يوم الاربعاء حادي عشر محرم الحرام سنة احدى وثلاثين وثمان مئة ) . وعلى لوح القبر الثالث ( هذا قبر الشاهزادة سلطان بايزيد طاب ثراه ، توفي في جمادى الاولى سنة احدى وثلاثين وثمان مئة هلالية ) . وعلى قبر آخر ( هذا قبر المرحومة السعيدة بايندة السلطان ) .
وقد ابتدأ حكم الأسرة الايلكانية الجلائرية في بغداد وآذربايجان بعد موت أبي سعيد بن اولجياتو محمد خدابنده بقليل بالشيخ حسن الكبير تقريبا بين سنة تسع وثلاثين وسبعمائة أو سنة الأربعون . وكانت وفاته سنة 757 هـ ثم تلاه في الحكم ولده السلطان اويس سنة 757 هـ وتوفي سنة 776 هـ ثم تلاه ولده السلطان حسين من سنة 776 هـ الى ان توفي في سنة 784 هـ ثم تلا السلطان حسين أخوه السلطان أحمد الجلائري بن اويس الى ان قتل في تبريز بين سنة ثلاث عشرة وثمان مئة ، واربع عشرة . وبه تقريبا انتهت ايامهم .
(34) جاء في كتاب ( دلائل الدين ) تأليف عبد الله بن الحاج هادي ما ترجمته : روى عن السجاد عليه السلام ان الله تعالى ذكر في القرآن ان السيدة مريم عليهما السلام عندما أرادت أن تلد ابنها المسيح ابتعدت عن قومها ، وذهبت الى كربلاء ـ بصورة معجزة ـ بجنب نهر القرات . وقد ولد المسيح قرب مكان ضريح الحسين (ع) . وفي نفس الليلة عادت السيدة مريم الى دمشق . ومصداق هذا الخبر ما ورد عن الباقر (ع) ـ على ما أتذكر ـ ان صخرة على مقربة من قبر الحسين نصبت في الحائط . قد أجمع ساكنوا هذا المقام على أن الرأس الشريف قد حز على هذه الصخرة ، ويقولون ان المسيح قد ولد على نفس تلك الصخرة أيضاً ـ .

( 72 )

الموجودة في أعلى الباب الثالث من أبواب الحرم المقابل للشبكة المباركة : ( واقفه محمد على خان القواينلو سنة 1216 ) هـ . وكذلك هذا التأريخ موجود بعينه في الكتيبة القرآنية داخل القبة على الضريح المقدس ، وفي سنة 920 هـ أهدى الشاه اسماعيل الصفوي صندوقا (35) الى القبر الشريف
____________
(35) عندما دخل الشاه اسماعيل الصفوي الاول ـ مؤسس الدولة الصفوية في ايران والذي يرتقي نسبه الى الامام السابع موسى بن جعفر عليه السلام ـ بغداد فاتحا سنة 914 هـ كان همه الأول هو التبرك بزيارة أجداده الأئمة المعصومين ، قصد زيارة مرقد الحسين (ع) وعمل ثوبا حريريا لقبره الشريف ، وعلق اثنى عشر قنديلا من الذهب ، أطراف القبر ، وفرش تلك الحضيرة القدسية البسط وجلله بأنواع الحرير والاستبرق ، وبذل الأموال الكثيرة للائذين بقبره الشريف . ثم خرج قاصدا النجف الأشرف ( وقد ترجم النص المتقدم العلامة المؤلف عن ( حبيب السير ) لخواند مير بالفارسية ـ مخطوط في 3 مجلدات في مكتبة المؤلف سنة 1008 هـ وقد جاء أيضا في ( عالم آراى عباسي ) لاسكندر منشي . جـ 2 عن زيارة هذا الشاه ما ترجمته : توجه الشاه من بغداد الى تربة كربلاء بعد اخلاص النية وتشرف بزيارة مرقد الحسين المنور ، وشهداء كربلاء ، وقد زين الروضة وأنعم على المجاورين ، ثم توجه من هناك الى زيارة علي المرتضى (ع) عن طريق الحلة . راجع أيضا فارسنامه ناصري جـ 1 ص 93 .
وزار كربلا أيضا الشاه عباس الأول الصفوي . فقد جاء في فارسنامه ناصري ما ترجمته : غادر الشاه عباس الاول الصفوي اصفهان في سنة 1033 هجري متجها نحو بغداد ، وفي غرة ربيع الاول من نفس السنة دخل بغداد فاتحا . . . ثم توجه الى النجف الأشرف في محرم الحرام ، وعلى بعد (30) كيلومترا ترجل عن فرسه وخلع نعله ، وانعم على كافة سكنة النجف وتوجه بعد ذلك مسرورا فرحا الى زيارة كربلاء ، وطاف البقعة الطاهرة ، ثم اقفل راجعا الى بغداد وزار الامامين الكاظمين وسامراء .
وفي ربيع هذه السنة أعاد الكرة لزيارة كربلاء والنجف الأشرف . وقبل اعتاب هاتين الحضرتين وأدى لوازم الزيارة وأهدى من الصناديق القيمة والطنافس الحريرية المطرزة وادليباج ، الشيء الكثير ورجع مقفلا الى بغداد . وأعاد الزيارة مرة أخرى الى الروضة الحسينية . وانظر أيضا

( 73 )

ولم يرد ما يهم خبره من أخلافه الصفوية الا الاقدام بامور طفيفة لا مجال لذكرها . الا انه بلغني ـ ولم أتثبت من ذلك ان الشاه سليمان الصفوي قام ببناء القسم الشمالي من الصحن المطهر ، والايوان الكبير الذي فيه المسمى ( بصافي صفا ) نسبة الى الصفويين . وليس اليوم في هذا الايوان دلي على ذلك سوى إن الكاشي المعرق الموجود في سقف هذا الإيوان والزخارف المعمولة من البورق فيه ، يستدل منها ان بناء هذه الجبهة أقدم بناء من الجهات الثلاث للصحن الشريف . فضلا عن ان نقوش الكاشي المعرق وصنعتها تشبه الى حد كبير نقوش الكاشي المعرق الموجود في روضة الجوادين سلام الله عليهما ، وحرم حضرة الرضا (ع) ، ومقبرة خواجه ربيع ، والقدم كاه .
وقد كان في حواشي الكاشي المعرق الموجود في جنبتي هذا الايوان ، الشرقي والغربي : كتيبة تنص على اسم الباني وتأريخ بنائه . ولكن مع مرور الزمن تلف واندرس أثره ، ومع شديد الأسف لم يسع أحد بعد
____________
عالم آراي عباسي . وهناك مصدر لابد من الاشارة اليه في هذا الخصوص هو ( تاريخ دهامر الالماني الذي ترجم من اللغة الفرنسية الى الفارسية باسم ـ سلطان التواريخ ـ في تاريخ سلاطين آل عثمان يقع في ثلاث مجلدات ضخام تحتوي على 72 بابا ، ينتهي به مؤلفه الى آخر عهد عبد الحميد الأول العثماني ، بعد حرب الروس والأتراك وعقد معاهدة ( كنارجه ) .
وفي سنة 1034 هـ اعاد السلطان مراد الرابع العثماني العراق الى حوزة دولته . وفي 27 جمادي الاولى سنة 1039 هـ احتل بغداد مرة أخرى الشاه صفي حفيد الشاه عباس الاول ، وزار كربلاء في سنة 1048 هـ في يوم عيد . فقبل أعتاب ضريح سيد الشهداء واخيه العباس . بعد ان انذر النذور . وأكرم ذوي الحاجة . ( روضة الصفاي ناصري . المجلد الثامن ) وفي سنة 1156 هـ توجه نادر شاه من النجف الأشرف الى تقبيل اعتاب الحسين (ع) الذي حرمه مطاف ملائكة الرحمن ، وقدمت زوجته رضيه سلطان بيكم كريمة الشاه سلطان حسين الصفوي عشرين الف نادرى لتعمير جامع الحرم الشريف ( التاريخ النادري ) .

( 74 )

ذلك لارجاع هذا النص التأريخي المهم الى موضعه .
وعندما أرادوا دفن ميرزا موسى الوزير فيه (36) عملوا موضعيه الكتيبة
____________
(36) وقد شهيد هذا الايوان الكبير في سنة 1281 هـ من قبل المرحوم ميرزا موسى وزير طهران لتكون مقبرة له ولعائلته . وقد جدد المرايا والكتيبة القرآنية . وزوق جدرانها الداخلية بالكاشي النفيس . وقد نظم الشاعر ( قلزم الذي كان من الشعراء الشهيرين في تلك الفترة هذه القصيدة بالمناسبة :
اي نمو دار حريمت حرم عرش برين ظل دركاهت خركه زده برعليين
قدسيان بسته بفرمان تواز عرش كمر آسمان سوده در ايوان توبر فرش جبين
بوده دارلت شاهنشه اقليم شهود بيشكا رانت فرمان ده سرحد يقين
ظل خركاه تو را قبله كند روح القدس خاك دركاه تو را سجده برد حور العين
از ازل تاج شهادة جه نهادي برسر شد تراملك شفاعت همه د رزير نكين
از بهاي كهر باك تو اين توده خاك كعبه دين شود وشد سجده كه أهل زمين
الى ان يقول :
قصة طور كليم الله فاخلع نعليك همه از خاك درت مظهر آيات مبين
عكس از شمسه ايوان توشد شمس فلك بر تو اوبر همه كون مكان كشت مكين
ساكنان حرم وجلال ملكوت هه برخاك رهت بايد خاك نشين

( 75 )

الموجودة اليوم من المرايا رقمت بهذه الآية « الذين يذكرون الله قياما
____________
بهر فراشي حجابت هر شام وسحر قيصر أز روم كمر بندى وفقفور أز جين
الى ان يقول :
اين همان وادى دوروا تش شوق صه جه موسى باميد قبسي خاك نشين
اندرين عهد همايون از فو ظفر رايت دولت اسلام بر از جرخ برين
شاه شاهان جهان ظل خدا كهف زمان خسرو ملك ملل بادشاه دولت ودين
شهر بازيكه زأواز كوي سخطش تا اب درشده در جحمه كوه طنين
مير فرخنده نزادى زد راوكه بود افتاب فلك ورفعت كوه وتمكين
داشت جون كوهري آراسته نور صفا كرد اين صفه ايوان صفارا ترين
دولت ناصرى وسعى امام ملت أندرين عهد بود محيي آثار جنين
افتخار فضلا قبله أرباب فلاح بيشواى دو جهان بادشاه شرع مبين
انكه از بندكي صاحب روضه باك شده برخا جكي علم ازل صدر تشين
جون زفيض كف موسى شد اين طور صفا . . . . . . . . . .
كلك قلزم بي تاريخ سخنور شده وكفت با كف موسى آراسته طور سنين
1281 هـ

( 76 )

وقعوداً وعلى جنوبهم . . . »
هذا وقام السلطان مراد الرابع العثماني سنة ثمان وأربعين وألف بتعمير وتجديد القبة السامية ، وجصصها من الخارج (37) .
وفي سنة 1135 هـ نهضت زوجة نادر شاه وكريمة حسين الصفوي الى تعمير المسجد المطهر وأنفقت على ذلك عشرين ألف نادري .
وقام أغا محمد خان ( الخصي ) مؤسس الدولة القاجارية في ايران ، بتذهيب القبة السامة للسنة السابعة بعد المائتين والالف الهجرية (38) وقد نظم بهذه المناسبة الميرزا سليمان خان المشهور بصباحي الشاعر ، مؤرخا هذا التذهيب بقوله :
كلك صباحي از اين تاريخ أونوشت در كبند حسين علي زيب بافت زر
1207 هـ
____________
(37) لم نعثر على مصدرهذا الخبر . ولكنه قد جاء في كلشن خلفاء ( ص 102 وجه ) لنظمي زاده بالتركية : ان الوالي على باشا الوند زادة ، بأمر من السلطان مراد الثالث العثماني قد جدد بناء جامع الحسين وقبته المنورة ، وذلك سنة 984 هـ . وقد ارخ هذا البناء أحد الشعراء المشهورين بأبيات مطلعها :
بحمد الله كه از عون الهي نموده خدمة شاه شهيدان
شه كشور ستان خاقان اعظم مراد بن سليم ابن سليمان

وقد وهم الاستاذ حسن الكليدار في كتابه ( مدينة الحسين ) ص 38 ، اذ ذكر ان هذه الابيات قد قيلت بمناسبة تشييد القبة من قبل مراد الرابع العثماني ، الا ان الصحيح ما ذكرناه . ( عادل )
(38) مجلد القاجارية من ناسخ التواريخ للسان الملك سبيهر ص 33 سنة 1206 هـ .

( 77 )

وفي أوائل القرن التاسع عشر (1214هـ) . أهدى فتح علي شاه القاجاري ـ أحد ملوك ايران ـ شبكة فضية (39) . وهي الى اليوم موجودة على القبر الشريف ، وحوالي هذا التاريخ ، أمرت زوجته بتذهيب المأذنتين ، حتى حد الحوض .
وفي سنة 1259 هـ : قام محمد علي شاه ـ ملك أود ـ سلطان الهند بتذهيب الايوان الشريف وصياغة بابه بالفضة . ويوجد اليوم على الفردة اليمنى من باب الفضة في ايوان الذهب : ( هو الله الموفق المستعان ، قد أمر بصنع هذا الباب المفتوح لرحمة الملك المنان ، وباتمام تذهب هذا الايوان الذي هو مختلف ملائكة الرحمن ، وبحفر الحسينية وبناء قناطرها ، التي هي معبر أهل الجنان ـ وعلى الفردة الثانية ، الجانب الايسر تتمته ، وتعمير بقعة قدوة الناس مولانا وسيدنا أبوالفضل العباس ، السلطان بن السلطان ، والخاقان بن الخاقان ، السلطان الأعظم والخاقان الأكرم ، سلطان الهند ، محمد على شاه تغمده الله بغفرانه ، وأسكنه فسيح جناته ، وكان ذلك في سنة 1259 هـ ألف ومائتين وتسعة وخمسين ) .
وقام بعد ذلك امراء الأكراد البختيارية الى تزيين المسجد والأروقة . وقد وسع الضلع الغربي من الصحن الشريف ، وجدد بناءه المتغمد برحمته المرحوم الشيخ عبد الحسين الطهراني (40) ( شيخ العراقين ) من قبل شاه
____________
(39) مجلد القاجارية من ناسخ التواريخ ص 63 .
(40) جاء في مستدرك الوسائل للعلامة النوري ( ج 3 ص 397 ) في ترجمة الشيخ عبد الحسين الطهراني : ( شيخي واستاذي ومن اليه في العلوم الشرعية استنادي ، افقه الفقهاء وافضل العلماء ، العالم الرباني ، الشيخ عبد الحسين الطهراني ، حتى يقول : وجاهد في الله في محو صولة المبتعين واقام أعلام الشعائر في العتبات العاليات وبالغ مجهوده في عمارة القباب الساميات ) . وقد توفي في الكاظمية في 22 شهر ومضان سنة 1286 هـ ونقل الى كربلاء ، ودفن في احدى حجرات الصحن الحسيني .

( 78 )

ايران ناصر الدين شاه القاجاري سنة 1275 هـ . وشيد ايوانه الكبير وحجر جهتيه . وقد أنشد الشيخ جابر الكاظمي الشاعر الكبير مؤرخا لهذا البناء بالفارسية يقول :
بنائي ناصر الدين شاه بنا كرد زخاك أوست بائين كاخ خضرا
نه صحن وكنبدي جرخي مكوكب زنور أو منور روي غبرا
براي كشوار عرش يعني حسين بن علي دلبند زهرا
بناي سال أو جابر همي كوي أز ايوان شكست كسرى
بكو تأريخ ايوانش مؤرخ 1275 هـ
وله تأريخ بالعربية :
لله اليوان سما رفعة فطاول العرش به الفرش
قال لسان الغيب تأريخه أنت لأملاك السما عرش

ولم يحدث بعد ذلك مايهم ذكره سوى ما جددت انشاءه ادارة الأوقاف في العهد الأخير ، في القسم الغربي من الصحن لظهور الصدع فيه .
وفي المشهد الحسيني عدة نقوش وكتابات تدل على تواريخ اصلاحه والزيارات فيه . ففي أعلى عمود وسط الضلع الجنوبي من شبكة الفولاد المنصوبة على قبر الحسين عليه السلام ، ما يقابل الوجه الشريف . هذه العبارة : ( من بكى وتباكى على الحسين فله الجنة صدق الله ورسوله ، صلى الله عليه وآله وسلم سنة 1185 هـ ) .
وما يقابل الزوايا الأربعة من القبر الشريف عبارة : ( واقفه الموفق بتوفيقات الدارين ، ابن محمد تقي خان اليزدي محمد حسين سنة 1222 هـ ) .


( 79 )

ويوجد في الايوان الخارج من جدار الرواق الغربي المقابل للشبكة المباركة ، في الكاشي ، فوق الشباك : ( عمل أوسته أحمد المعمار سنة 1296 هـ ) .
ويستفاد من أبيات منظومة بالفارسية فوق شباك المقبرة الشمالية المقابلة للضريح : انه بمباشرت الحاج عبد الله ابن القوام على نفقة الحاج محمد صادق التاجر الشيرازي الأصفهاني الأصل قد قام بتكميل تعمير سرداب الصحن الحسيني وتطبيق الأروقة الثلاثة الشرقي والشمالي والغربي بالكاشي في سنة ألف وثلثمائة الهجرية .

ايضاح ما يوجد في خارطة كربلاء من المواقع :

( أنهار كربلاء )

( النهرين ) : فرعان يشتقان من عمود الفرات ويتصلان ببعضهما في قرية نينوى في جوار الحاير الحسيني ويتجهان الى الشمال الشرقي الى الكوفة معا على سبيل توحيد وتفرد ، وللفارق يعرفان بنهري كربلاء ، يتوضح على ضوء ما سرده أبو الفرج في المقاتل (1) ونورد بين قوسين ما تفرد بايراده صاحب الدر النظيم (2) :
قال أبو الفرج : لما قتل زيد بن علي دفنه ابنه يحيى ، تفرق عنه الناس ولم يبق معه الا عشرة نفر ، قال سلمة بن ثابت . قلت له : أين تريد ، قال : أريد النهرين ومعه الصياد العبدي . قلت : ان كنت تريد النهرين فقاتل هاهنا حتى تقتل . قال : أريد نهري كربلا ( وظننت انه يريد أن يتشطط الفرات ) فقلت له النجاء قبل الصبح . فخرجنا فلما
____________
(1) مقاتل الطالبيين ص 61 ط القاهرة .
(2) الدر النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم لجمال الدين الشامي جـ 2 خط .

( 80 )

جاوزنا الأبيات سمعنا الأذان فخرجنا مسرعين فكلما استقبلني قوم استطعمتهم فيطعموني الأرغفة فأطعمه اياها وأصحابي حتى أتينا نينوى فدعوت سابقا فخرج من منزله ودخله يحيى ومضى سابق الى الفيوم فأقام به . ( فلما خرجنا من الكوفة سمعنا أذان المؤذنين فصلينا الغداة بالنخيلة ثم توجهنا سراعا قبل نينوى ، فقال : أريد سابقا مولى بشر بن عبد الملك فأسرع السير الى ان انتهينا الى نينوى وقد اظلمنتا فأتينا منزل سابق فاستخففت الباب فخرج الينا ) .
وذكر ابن كثير في البداية (3) عن محمد بن عمرو بن الحسن قال : كنا مع الحسين بنهري كربلاء .
وأورد ابن شهر آشوب في المناقب : مضى الحسين قتيلا يوم عاشوراء بطف كربلاء بين نينوى والغاضرية من قرى النهرين (4) قال الطبري (5) بعد مهادنة أهل الحيرة لخالد بن الوليد في مفتتح الفتح وخضوع الدهاقين لأداء جزية وضريبة وزع بينهم العمال . ولتمهيد الأمن أقام مخافر عهد بعمالة النهرين الى بشر بن الخصاصية فاتخذ بشر الكويفة ببابنورا قاعدة لعمالته .
وذكر عند حوادث سنة 278 هـ (6) ابتداء أمر القرامطة : وردت الأخبار بحركة قوم يعرفون بالقرامطة بسواد الكوفة . فكان ابتداء أمرهم قدوم رجل من خوزستان ، ومقامه بموضع يقال له النهرين يظهر الزهد والتقشف ويسف الخوص ويأكل من كسبه ويكثر الصلاة ، اذا قعد اليه انسان ، ذكره أمر الدين وزهده في الدنيا ، وأعلمه ان الصلاة المفروضة
____________
(3) ج 8 : ص 188 .
(4) المناقب ج 4 ص 83 . ط بمبي
(5) ج 4 ص 17 ط ليدن
(6) ج 8 ص 159 . ط الاستقامة

( 81 )




( 82 )

على الناس خمسون صلاة في كل يوم وليلة حتى أفشى ذلك عنه بموضعه .

نهر العلقمي


ذكر المسعودي في التنبيه والاشراف (7) : وكاتب البريد ابن خرداذبه في المسالك (8) : اذا جاز عمود الفرات هيت والأنبار ( يقابل الثاني الأول في الضفة الغربية ) فيتجاوزهما فينقسم قسمين ، منها قسم يأخذ نحو المغرب قليلا المسمى ( بالعلقمي ) الى أن يصير الى الكوفة .
وآثار العلقمي الباقي منه اليوم ـ على ما وقفت عليه ـ اذا انتهى الى شمال ضريح عون اتجه الى الجنوب ، حتى يروى الغاضرية لبني أسد ـ والغاضرية على ضفته الشرقية ـ وبمحاذاة الغاضرية شريعة الامام جعفر ابن محمد ( سلم ) على الشاطئ الغربي من العلقمي . وقنطرة الغاضرية تصل بينه وبين الشريعة ثم ينحرف الى الشمال الغربي . فيقسم الشرقي من مدينة كربلاء بسفح ضريح العباس ( سلم ) اذ استشهد ما يلي مسناته . فاذا جاوزه انعطف الى الجنوب الشرقي من كربلاء مارا بقرية نينوى وهناك يتصل النهران ( نينوى والعلقمي ) فيرويان ما يليهما من ضياع وقرية شفيه فيتمايلان بين جنوب تارة وشرق اخرى ، حتى اذا بلغا خان الحماد ـ منتصف الطريق بين كربلاء والغري ـ اتجها الى الشرق تماما . وقطعا شط الهندية بجنوب برس أو حرقه ـ وأثرهما هناك مرئي ومشهود ـ
____________
(7) ص 47 من ط : القاهرة .
(8) المسالك والممالك ص 233 ط ليدن ، وجاء أيضا في ( نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري ج 1 ص 267 ) مانصه : . . . فاذا جاوزهما ( يعني اذا جاوز الفرات الأنبار وهيت ) قسم يأخذ نحو الجنوب قليلا وهو المسمى بالعلقم . ينتهي الى بلاد سورى ، وقصر ابن هبيرة ، والكوفة والحلة .

( 83 )

حتى يسقيان شرقي الكوفة .
ذكر ان مجراه في العصور القديمة كان يتصل ببطائح البصرة ، وان سابور ذي الأكتاف اتخذ حافتيه قاعدة للذب عن غزو العرب لتخوم المملكة . وشمل بعناية أخلافه من ملوك الساسانية لموقعه الدفاعي .
بلغ من ازدهار العمران الذي حف بجانبيه شأواً حتى أن ذكروا : أفلتت سفينة وانحدرت مع جري الماء يومين فامتلأت بأنواع صنوف أثمار حافيته .
ذكر هارفي بوتر في التاريخ القديم ان بخت نصر الملك البابلي حفر نهراً من أعالي الفرات حتى أوصله الى البحر لتقارب الوصف ، من الممكن أن يكون هذا النهر هو ( العلقمي ) (9) ولنفس الغاية لبعد أمد جريه اختار فوهته من أعالي الفرات لارتفاع مستوى الماء هناك ـ المتدفق وسرعة الجري ـ ولبعد عمود الفرات عن ارواء آخر حدود الريف في العصور القديمة من التاريخ في الدور البابلي أو الكلداني . اذ كان مجراه يشق عاصمتهم بابل . كان بطبيعة الحال حفر مثل هذا النهر من الضروري ومما لا مناص منه لنطاق مدى العمران .
والعلقم بالفتح والسكون يطلق على كل شجر مر ( الحنظل ) . وما عداه من غير فارق ، والعلقمة المراره . يخال لي لشدة ما كان العرب يكابدون من مرارة ماء آبار الجزيرة ، حتى تخوم الجزيرة ، ومياه عيون
____________
(9) يعتقد الدكتور أحمد سوسه في مؤلفه ( وادي الفرات ج 2 ص 87 ) : ان العلقمي قد أخذ مجرى نهر مارسس القديم الذي كان قد اضمحل فاعيد احياؤه زمن العرب . (عادل )
( 84 )

الطف ، ثم ينهلون عذب نمير هذا النهر فلبعد شقة البين بالضد أطلقوا عليه اسم ( العلقمي ) (10) .
اطلقت على جملة الضياع التي اتخذت على النهرين ، العلقمي ونهر نينوى في الدور الاسلامي من مبتدأ فوهة أو صدر ( العلقمي ) ما يلي هيت بـ ( الفلوجة العليا ) فاذا انحدر مجراه لحدود كربلاء ( الفلوجة الوسطى ) ولحدود اتصاله بالكوفة بـ ( الفلوجة السفلى ) وهذه الفلاليج الثلاثة ، كل واحد منها في الدور الكسروي متمماً لأستان بهقباذات الثلاثة . ففيما بين نهري دجلة والفرات ، أستان بهقباذ الأعلى ، ثم الأوسط ، ثم الاسفل . كان قسط هذا النهر من التفقد والعناية قد بلغ نصاب الكفاية ، يتمايل بنشوة نظارة العمران وساكني حافتيه في هناء ورغد عيش ، حتى أن انتكست الخلافة العباسية ، وحل بكيانها الضعف والوهن ، لشغب الأتراك وتلاعبهم بنصب وخلع وقتل ثلاثة من الخلفاء ، وهم المستعين والمعتز والمهتدى .
وانحل نظام الأمن وسادت الفوضى أنحاء البلاد لقيام الفتن والثورات وتعاقبها ـ واحدة تلو الأخرى دون أيما انفكاك ـ وقد بلغ الضعف بالدولة الى درجة أن أصبح من المستحيل امكان قضائها على ثورة الزنج ولم تتمكن من اخماد ثورتهم الا بعد خطوب وتكبد خسائر فادحة ما يقارب الثلاث
____________
(10) جاء في قمر بني هاشم للسيد عبد الرزاق المقرم ( ص 121 ) ما نصه ( . . . نعم لم يعرف السبب في التسمية به ـ أي العلقمي ـ وما قيل في وجهها ان الحافر للنهر رجل اسمه علقمة بطن من تميم ثم من دارم جدهم علقمة بن زرارة ابن عدس لا يعتمد عليه لعدم الشاهد الواضح . ومثله في ذكر السبب : كثرة العلقم حول حافتي النهر وهو كالقول بأن عضد الدولة أمر بحفر النهر ووكله الى رجل اسمه علقمة فانها دعاوى لا تعضدها قرينة ، على انك عرفت ان التسمية كانت قبل عضد الدولة ) . ( عادل )
( 85 )

عشرة سنة (11) استنزفت من الضحايا والأموال ما يفوت الحصر احصاءه .
____________
(11) استمر القتال مع الزنج من حين تولي المعتمد الخلافة سنة ست وخمسين وثلاثمائة الى سنة سبعين . وذكر الصولي انه قتل من المسلمين
( 86 )

الا ان سياسة الخليفة المعتضد الحازمة وولده المكتفي ، قد أعادا للخلافة بعض ما فقدته من هيبة ورفعة شأن . الا انه كان آخر وميض نور من حياة عز الدولة العباسية . اذ تلتها النكسة التي لا قيام بعدها من جراء سيرة المقتدر ، لضعف نفسه ، وركونه الى حياة اللهو والمجون . استهلك في سبيل رغائبه ـ على ما يحدث به الاستاذ ابن مسكوية في تجاربه ـ (12) بسرد مفردات نيف وسبعين مليون دينارا من العين فضلا عما تلاعبته الأيدي بما تحويه الخزائن من النفائس النادرة والاحجار القيمة . وقد قلده الجند في أساليب الدعة حتى أضاع قيمته . وأصبح ضعيف النفس منخوب القلب بلغ الضعيف به درجة انه عجز مع كامل عدته وعديده عن صد حملة عدة ضئيلة من قرامطة هددوا بغداد من ناحية الأنبار ، ولو لم يبادروا لهدم قنطرة زبارا على نهر عيسى للحيلولة دون عبورهم ، لأصبحت العاصمة عرضة لخطر ويلات وثبور .
والقرامطة يحصدون بالسيف رقاب الوافدين أثناء سيرهم الى الحج ، وفي نفس الحرم والكعبة ارتكبوا من فضائع القتل والنهب والاستهانة بقدسية البيت ، ما بلغ صداه عالم الأكوان (13) .
فأبانت هذه الحوادث عن مدى ضعف الدولة وعن أقصى مراتب عجزها وذلك لدوران محور سياستها على رأي النساء والحاشية خدم دار الخلافة . فكان أن تمزقت وحدة الامبراطورية الشاسعة المترامية
____________
ألف ألف وخمسمائة ألف آدمي . وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلثمائة ألف ( من تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 243 ط القاهرة ) .
(12) انظر تجارب الأمم لابن مسكوية ج 5 ص 238 ـ 39 . وذلك عام 320 هـ .
(13) راجع بشأن هذه الحادثة المروعة تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 376 .

( 87 )

الاطراف (14) ولم يقتصر الحال على ذلك بل حتى أصبح شخص الخليفة وعاصمته محكومين لأمير الامراء الذي اتخذ قاعدة حكمه في مقابل دار الخلافة في دار المملكة .
كان الاسلام منذ رفع مناره وأخذ بالتوسع والفتوح على عهد الراشدين والأمويين والعباسيين : شامخ الذرى منيع الجانب عزيزاً . . . يجيب الرشيد قيصر على ظهر كتابه : الجواب ما تراه (15) . وعندما طرق سمع المعتصم تهكم العلج على المتأوهة بوا معتصماه في حصن عمورية ـ سيفنيك على خيل بلق ـ فيخرج لفوره دون أي توان على رأس حملة بينها سبعون ألف فارس على خيل بلق ، ويدك دكا بسنابكها بر الأناضول ويهدد منيع أركان حصن عمورية لاغاثتها (16) .
والواثق يعمل السيف في سكان الجزيرة وأحيائها . وينقل أسراهم
____________
(14) جاء في تجارب الامم لابن مسكوية ( ج 5 ص 366 ط مصر ) : فصارت الدنيا في أيدي المتغلبين وصاروا ملوك طوائف . وكل من حصل في يده بلد ملكه . ومنح ماله . فواسط والبصرة والأهواز بأيدي البريديين . وفارس في يد علي بن بويه . وكرمان في يد أبي على ابن أياس . وأصفهان والري والجبل في يد أبي على الحسن بن بوية وبدر شمكير . يتنازعوها بينهما . والموصل وديار ربيعة وديار بكر في أيدي بني حمدان ، ومصر والشام في يد محمد بن طغج . والمغرب وافريقية في يد أبي تميم ، والاندلس في يد الاموي . وخراسان في يد نصر بن أحمد ، واليمامة والبحرين وهجر في يد أبي طاهر بن أبي سعيد الجنابي ، وطبرستان وجرجان في يد الديلم . ولم يبق في يد السلطان وابن رائق ( أمير الامراء ) غير السواد والعراق . وجاء في ص 237 منه . . . . وانخرقت الهيبة وضعف أمر الخلافة .
(15) راجع مآثر الانافة للقلقشندي ، ج 1 ص 196 . وفي صبح الاعشى ج 5 ص 399 . راجع أيضا تأريخ الخلفاء للسيوطي ص 191 .
(16) راجع نفس المصادر السابقة . ج 1 ص 211 ، ج 3 ص 267 .

( 88 )

الى عاصمته سامراء . بينما استحال على أي فاتح وطئ أدنى حدود الجزيرة فضلا عن التوغل في متاهاتها . منذ أقدم عصور التاريخ .
فبسقوط عظمة الدولة العباسية ، تمزق امبراطوريتها قضى على حياة عز الاسلام أبدياً ، وفق الحديث الذي أخرجه الامام أبي داود في كتاب السنن (17) « لا يزال الاسلام عزيزا الى اثنى عشر خليفة كلهم من قريش » . ختم بقطع النيابة الخاصة بالسفير الرابع علي بن محمد السمري عن الامام الثاني عشر المهدي محمد بن الحسن العسكري (ع) (18)
____________
(17) سنن أبي داوود ك 35 ج 1 . وقد أخرج هذا الحديث كل من البخاري : ك 35 ب 51 ، وصحيح مسلم : ك 33 ج 5 ـ 10 . الترمذي : ك 21 ب 46 . مسند ابن حنبل : ك ص 298 تا 406 خامس ص 86 و ص 87 و ص 88 .
(18) ان السفراء الأربعة للامام المهدي صلوات الله عليه في زمن الغيبة الصغرى ( . . . ـ 334 هـ ) . أولهم نصبه الامامان الهادي والعسكري عليهما السلام . وهو : الشيخ الموثق أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري ( السمان ) . قال عنه الامام الحادي عشر الحسن العسكري عليه السلام في جوابه لأحد يسأل عمن يمتثلون لأوامره في حالة غيابهم عنه . يجيبهم : هذا أبو عمرو الثقة الأمين ، ثقة الماضي وثقتي في الحياة والمماة ، فما قاله فعني يقوله ، وما أدى اليكم فعني يؤديه ) . ( الغيبة للشيخ الطوسي ص 229 . ط تبريز ، البحار ص 344 ج 51 ) وتوفي ببغداد وموضع قبره بالجانب الغربي من مدينة السلام في شارع الميدان بدرب جبله . فلما مضى عثمان بن سعيد قام ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان بنص أبيه عليه بأمر القائم (ع) . وكان كأبيه ثقة وأمانة . وكانت وفاته سنة 305 هـ ( الكامل لابن الاثير ج 8 ص 41 ) وقبره في شارع باب الكوفة من مدينة السلام ( الغيبة ص 228 ) وأوصى من بعده لابي القاسم الحسين بن روح ( قده ) وكان لابي القاسم مقام عظيم عند الشيعة والسنة على السواء لفضله وعلمه . وله أنصار في بلاط المقتدر . وله مكانة عظيمة عند الخليفة المقتدر ، وعند السيدة أم المقتدر ( البحار ج 51 ص 356 ) . وقد جرت بينه وبين الوزير حامد ابن

( 89 )

كان هذا النهر لما يحاذي عربه صحراء الجزيرة عرضة لمشاغبة خوارج العرب والقرامطة ومسرحا لحركاتهم العسكرية مع الدولة . فضلا عما أصابه من الاهمال فعلى أثر نضوب المال وعدم كفايته لسد عوز أرزاق الجند ، أخذ الامراء يحيلونهم على استغلال الضياع ، يقول ابن الاثير في الكامل : ان الذي أخذوه ازداد خرابا فردوه ، وطلبوا العوض ، فعوضوا ، وترك الاجناد الاهتمام بمشارب القرى وتسوية طرقها فهلكت وبطل الكثير منها فقط ـ على ما يرويه أحمد بن سهل في صور فهلكت وبطل الكثير منها فقط ـ على ما يرويه الكوارث المبيرة ولم يصبه العطب .
____________
العباس خطوب وقبض عليه وسجن خمسة أعوام . واطلق لما خلع المقتدر من السجن ( ذيل تجارب الامم ج 5 ص 299 . نقلا عن تاريخ الاسلام للذهبي ) وفي صلة عريب ص 141 ط ليدن ) وقد توفي سنة 329 هـ وموضع قبره في النوبختيه النافذ الى التل والى درب الآجر والى قنطرة الشوك ( الغيبة ص 252 ) ووصى من بعده الى السفير الرابع علي بن محمد السمري . فقام بما كان الى أبي القاسم . فلما حضرته الوفاة حضرت الشيعة عنده زوسألته عن الموكل بعده ، ولمن يقوم مقامه . فقال : لله أمر هو بالغه . فالغيبة التامة هي التي وقعت بعد مضي السمرى . وكانت وفاته سنة 329 هـ . وقبره في شارع الخلبخي من ربع باب المحول قريب من شاطيء نهر أبي عتاب ( الغيبة ص 358 ) وللعلامة المؤلف تعقيب على مواضع قبور السفراء الأربعة وجدناه على جلد كتاب الغيبة . ما نصه : فقبور هؤلاء السادة سلام الله عليهم اليوم في الصحراء من غرب دجلة تقريبا على أول المعلومة ، وعلى يد من ، وفي أي تاريخ كان ذلك على فرض تقدير قيمة لمحال قبورهم المعلومة اليوم . بينما يذكر المؤلف ( ص 239 ) ـ ويعني بذلك الشيخ الطوسي ـ الموضع الذي كانت دوره ومنازله فيه . وهو الآن في وسط الصحراء لسنة سبع واربعين واربعمائة في أواسط عمر الدولة العباسية ـ فضلا عما دهى بغداد من الدمار والخراب على يد التتر . (عادل )
(19) ص 52 وجه . مخطوط في مكتبة المؤلف .

( 90 )

المنطقة فيما بين بغداد والكوفة ، الجزيرة بين الرافدين . وبقيت محافظة على عمرانها الى القرن السادس على غرار وصف أبي زيد البلخي بأنه سواد مشبك وشهود ابن جبير له كما أورده في رحلته الى المشرق . حتى دمرتها عواصف حملة التتر سنة ستة وخمسين وستمائة .
فبطبيعة الحال لتوالي الفتن والمحن وتخلي القرى الآهلة من قاطنيها على حافتي هذا النهر والفروع المتشعبة منه : أن العناية بهذا النهر وتفقده ما كان ينتابه من عوارض متتالية ، حتى أصبح العامر من ضياعه في حكم الموات ، كما أعرب عن وصفه الوصاف بعد قرنين في ( تاريخ الحضرة ) .
ولما كان العلقمي يروي كربلاء وساكنيه وجوه الاشراف من العلويين والمنقطعين في جوار الحسين (ع) ولم تبق وسيلة للاهتمام بشأنه غير تبرع أهل الفضل بالبذل ، ولا بد من أن بني بوية في القرن الرابع لتشيعهم وعنايتهم بشؤون المشاهد المشرفة ، كانوا السبب الوحيد لبقاء حياة هذا النهر حتى منتصف القرن الخامس اذ أن الامام ابن الجوزي يحدثنا في ( المنتظم (20) في حوادث سنة 451 فيقول : خرج البساسيري الى زيارة المشهد بالكوفة على أن ينحدر من هناك الى واسط واستصحب معه غل في زورق العمال في حفر النهر المعروف بالعلقمي ويجريه الى المشهد بالحائر وفاء بنذر كان عيله .
ويقول مؤلف تاريخ آل سلجوق في حوادث سنة 479 هـ وصل عماد الدولة سرهنك ساوتكين الى واسط ومنها الى النيل في شهر رمضان ، وزار المشهدين الشريفين وأطلق بهما للاشراف مالا جزيلا ، وأسقط
____________
(20) ج 8 ص 202 .
( 91 )

خفارة الحاج وحفر العلقمي وكان خرابا من دهر ، وقدم بغداد (21) .
ويحدثنا السيد الطقطقي في الآداب السلطانية ص 301 ، عند ذكر مؤيد الدين ابن العلقمي وزير الخليفة المصتعصم بالله وقيل لجده العلقمي لانه حفر النهر المسمى بالعلقمي وهو النهر الذي برز الامر الشريف السلطاني لحفره وسمي الغازاني . فعليه قاوم العلقمي كوارث الاعفاء والدروس حتى آخر القرن السابع ، ثم أصبح أثرا بعد حين . وفي حبر كان يحدثنا العلامة الحسن بن يوسف في الخلاصة ص 58 عند ذكر عبد الغفار يقول : ( هو من أهل الجازية (22) قرية من قرى النهرين ) . وقفت بنفسي على دارس رسوم هذه القرية قبيل الحرب العامة لسنة 1914 م وموقعه يقع في الشمال الشرقي من مدينة كربلاء على آخر حدود ضيعة الوند ، يشاهد بظهر طلولها خزف وبعض زجاج مبعثر ، وفيما يليه آثار حصن على التقريب ينوف أبعاد أعلامه المائة متر في مثله منسوب لبني أسد وبلغني ان آجر هذا الحصن ذراع بغدادي مربع وبين طلول الجازية والحصن أثر مجرى نهر دارس . لم أبحث هل هو نفس العلقمي أو أحد شعبه . ويخال لي أن الكائنة التي وقعت لقاضى القضاة على ما بسطه التنوخي في الفرج بعد الشدة ، كان بجوار هذا الحصن يقول أبو السائب : فلما انصرفت من الزيادة أريد قصر ابن هبير قيل أن الأرض مسبعة وأشير علي أن ألحق قرية فيها حصن سمي كي آوي اليها قبل المساء وكنت ماشيا فأسرعت وأتعبت نفسي الى أن لحقت القرية فوجدت باب
____________
(21) ص 71 .
(22) ورد في مقاتل الطالبيين ط القاهرة ص 542 : مضى أبو السرايا نحو القصر فلما صار بالرحب ، صار هرثمة اليه ، فلحقه هناك ، فقاتله قتالا شديدا ، فهزم أبو السرايا وقتل أخوه . ومضى لوجهه حتى نزل ( الجازية ) واتبعه هرثمة واجتمع رأيه على سد الفرات عليه ومنعهم الماء ، وصبه في الأجان والمفايض التي في شرق الكوفة وانقطع الماء من الفرات .

( 92 )

الحصن مغلقا فدفعته فلم يفتح لي . وتوسلت للقائمين بحراسته بمن قصدت زيارته . فقالوا : قد أتانا منذ أيام من ذكر مثل ما تذكر فأدخلناه وآويناه فكان عينا علينا للصوص ، وفتح الباب ليلا وأدخلهم فسلبونا . ولكن الحق بذلك المسجد وكن فيه لئلا تمسي فيأتيك السبع ، فصرت الى المسجد فدخلت بيتا كان فيه فلم يكن بأسرع من أن جاء رجل على حمار منصرفا من الحائر فدخل المسجد وشد حماره في غلق الباب ودخل الي ومعه كرز فيه فاخرج شراجاً فأصلحه ، وقدح فأوقدها ، وأخرج خبزه وأخرجت خبزي واجتمعنا على الاكل ، فلم نشعر الا والسبع قد دخل في المسجد ، فلما رآه الحمار دخل الى البيت الذي كان فيه . فدخل السبع وراءه فخرج الحمار وجذب باب البيت بالرسن فأغلقه علينا وعلى السبع . وصرنا محبوسين فيه . وقررنا أن السبع لا يفترسنا بسبب السراج وأنه اذا انطفئ أخذنا وأكلنا وما طال الامر أن فني ما كان في السراج من الدهن . وطفئ وصرنا في الظلمة والسبع معنا . فما كان عندنا من حاله شئ الا اذا تنفس فكنا نسمع نفسه . وراث الحمار من فزعه فملأ المسجد روثا ، مضى الليل ونحن على حالنا . وقد كدنا ان نتلف فزع ، ثم سمعنا صوت الآذان من داخل الحصن وجاء المؤذن ودخل المسجد فلما رأى ما فعله الحمار لعن وشتم وحل رسن الحمار فمر يطير في الصحراء وفتح المؤذن باب البيت لينظر من فيه ، فوثب السبع اليه فدقه وحمله الى الاجمة . وقمنا نحن وانصرفنا سالمين ) وقاضى القضاة أبو السائب هذا هو : عتبة بن عبيد الله بن موسى بن عبيد الله الهمداني . كان أبوه تاجرا يؤم بمسجد همدان ، فاشتغل هو بالعلم وغلب عليه في الابتداء التصوف والزهد ، وسافر فلقي الجنيد والعلماء وعني بفهم القرآن وكتب الحديث وتفقه للشافعي . ثم دخل مراغه واتصل بأبي القاسم بن أبي الساج . وتولى قضاء مراغه ثم تقلد قضاء آذربايجان كلها ثم تقلد قضاء همدان . ثم سكن بغداد واتصل بالدولة وعظم شأنه الى أن ولي قضاء القضاة بالعراق سنة 338 هـ على عهد


( 93 )

معز الدولة أحد ملوك الديلم وتوفي سنة 355 هـ في بغداد . وله ستة وثمانون سنة . وهو أول من ولي قضاء القضاة في العراق من الشافعية )
(23) .
نهر نينوى

نهر نينوى كان يتفرع من عمود الفرات ما يقارب الحصاصة وعقر بابل وموقعه اليوم ـ على التقريب ـ بين شمال سدة الهندية وجنوب قضاء المسيب من نهر سورى ثم يشق ضيعه أم العروق ، ويجري جنوب كرود أبو حنطة ( أبو صمانه ) ، وتقاطع مجراه باقيا ليومنا هذا . ويعرف بـ ( عرقوب نينوى ) . ومن المحتمل ان البابليين هم الذين حفروا نهر نينوى مع تشكيل قرية نينوى باسم عاصمة الاشوريين في أدوار حضارتهم ولعدم ورود ذكر هذا النهر حتى عرضا ، يخال لي توغل دثوره في مستهل أيام الشغب .
النهر الغازاني

غازان خان هو من آل جنكيز . والخامس من ملوك التتر الذين حكموا العراق بعد أن أسقطوا الخلافة العباسية .
قطع عليه الامير نوروز عهدا ـ أحد الامراء الكبار ووالي أقليم خراسان ـ قبيل تسنمه العرش بأن يشد أزره ويعضده لارتقاء سدة الخلافة ولكن بشرط أن يعتنق الدين الاسلامي . فأعلن غازان اعتناقه للدين الاسلامي بعد أن تمهد له الامر مع من اتبعوه من المغول لسنة أربع وتسعين وستمائة للهجرة . وعلى أثر ( رؤياه ) بعد اسلامه الذي آخا
____________
(23) نقلا عن تاريخ الاسلام للذهبي
( 94 )

النبي (ص) بينه وبين ابن عمه علي (ع) أخذ يعطف على العلويين ويتفقدهم ويبالغ في اكرامهم . وأمر لهم في كافة أنحاء المملكة ببناء دور لايوائهم على غرار أربطة المجاهدين وخانقاه الصوفية . أطلق عليها اسم دار السيادة فضلا عما أبداه من الاهتمام بشؤون المشاهد المشرفة وتعاهد زيارتها . يقول مؤلف ( الحوادث الجامعة ) (24) : في سنة ثمان وتسعون وستمائة توجه السلطان غازان الى الحلة . وقصد زيارة المشاهد الشريفة . وأمر للعلويين والمقيمين بمال كثير . ثم أمربيحفر نهر من أعلى الحلة . فحفر وسمي الغازاني . وتولى ذلك شمس الدين صواب الخادم السكورجي وغرس الدولة .
ويقول مؤلف ( تاريخ المغول ) (25) في الوصاف : اهتز اللواء الملكي المؤيد بالنصر يوم الخميس وانتهز اجتياز طف الفرات على الطريق الذي هو من مستحدثات أيام الدولة الغازانية . وضياعه الموات فيما مضى كان يطلق عليه بالعلقمي . ولاستحداثه وجريان الفرات فيه لنضارة خضرته طغى نطاق الفكر في التقدير جرى الوادي فطم على القرى . وحاز اللواء الملكي زيارة حائر الحسين المقدس . ثم اتجه على طريق الفرات الى الانبار وهيت .
اجتاح ملوك المغول الوثنيون ( أسلاف غازان ) العراق فحلوا بها الخراب والدمار وأحالوا نضارة مروجها الخضراء الى فيافي قاحلة جرداء وأخليت معالمها من المتعاهدين الذين أبادتهم بربرية المغول . وأصبح العمران أثرا بعد حين . وتركت منظومة الري وأهملت المجاري لعدم وجود من يبذل الجهود ويهمه استمرار بقائها لاوراء المدن العطشى . وعلى الاخص لمثل نهر العلقمي لطول مجراه . لذلك أمر غازان بتجديد نهر
____________
(24) الحوادث الجامعة لابن الفوطي ص 497 .
(25) تاريخ وصاف الحضرة لعبد الله بن فضل الله ص 401 .

( 95 )

العلقمي وتقريب مأخذه من الفرات . فتبروا أعالي مجرى النهر وأوصلوا القسم الآخر بالنهر الذي حفره غازان من فرات الحلة ولم يستسيغوا بقاء اسم العلقمي على هذا النهر لا سيما وقد طرأ عليه الكثير من التغيير والتبديل فأطلقوا عليه اسم ( الغازاني ) تخليدا لذكرى حافره غازان (26) .
وكان العمود المنحصر بالفرد للفرات على أثر اضمحلال الفروع التي كانت تأخذ منه وتصب في دجلة ، كنهر عيسى وفوهته من الصقلا . وبه تقريبا مع نهر السراط الذي كان يتفرع منه . فبعد أن كانا يرويان دار السلام أو ـ مدينة المنصور ـ والاراضى المحيطة بهما يصبان في دجلة داخل بغداد . ثم نهر صرر . ينصب ازاء المدائن . ونهر الملك ويصب فيما بين النعمانية والمدائن . ثم نهر سورى الذي انحصر به المجرى . وأصبح المندفع الاعظم لمائه . وكان موقع جسره نفس قضاء المسيب الحاليٍ . وفي الشرقي منه على بعد ميلين كان موقع قصر ابن هبيرة ـ على ما رواه ابن واضح في البلدان (27) ـ على فرع يأخذ مائه من الفرات سمي بنهر النيل أو صراط . وآثار هذا القصر باقية الى يومنا هذا في الجزيرة . في نفس القضاء بمقربة من ضريح ابن القاسم ، يطلق عليه بتل هبيرة .
ويتفرع من نهر سورى أو شط الحلة ، نهر النيل الذي حفره
____________
(26) قد أسدى المغول ـ على اختلاف طوائفهم ـ خدمات عظيمة للمشاهد المشرفة كما تقدم . ويجدر بنا في هذا المقام أن نذكر ما قام به تيمور منهم من مساعي حميدة . فقد أورد في ( تزوكه ص : 115 ط لندن ) الذي كتبه بيده ما ترجمته : ان أول ما أوقفت على روضة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب محال الحلة والنجف . وللروضة المنورة الحسينية وسائر المشايخ والأكابر من رؤساء الدين الذين هم ببغداد ، كل على قدر مرتبته محال كربلاء وبغداد . وللروضة الجوادية والكاظمية وروضة سلمان الفارسي المحال من مزارع والجزائر الواردة من المدائن . ( عادل )
(27) ص 72 من ط النجف .

( 96 )

الحجاج بن يوسف الثقفي أبان عهد الدولة الاموية . وفوهته اليوم ـ تقريبا تحاذي موقع الحجمة من شط الحلة .
وكان نهري سورى والنيل يحدثان عند افتراق مجارهما واتصالهما شبه جزيرة بيضوية الشكل . ثم يصبان في بطائح أو أهوارالكوفة .
ولم يزل عمود الفرات على جريانه صوب شط الحلة حتى بعد الالف ومائتين وثمانية الهجرية . اذ حفر نهر الهندية ، بتبرع المتغمد بالرحمة آصف الدولة ، ملك أود ـ الهندي بقصد أرواء ساحة الغري الاقدس . وقد صادف الماء مستوى أخفض من مجراه الطبيعي (28) .
____________
(28) راجع حول نهر الهندية : مسير طالبي لابي طالب الاصفهاني . وتحفة العالم لمير عبد اللطيف الشوشتري ص 32 ط الهند . وراجع ( ماضى النجف وحاضرها للشيخ جعفر محبوبه ص : 131 ) .
ولم تكن هذه اولى المحاولات لجلب الماء الى الغري الأقدس . فقد سبقتها محاولات كثيرة . فكان ممن حظى بشرف ذلك ملكشاه السلجوقي عند زيارته للمشاهد المقدسة سنة 479 هـ اذ أمر باستخراج نهر من الفرات يطرح الماء الى النجف فبدأ فيه . ( المنتظم ج 9 ص 29 ) .
( كذلك ولده سنجر أراد القيام بنفس العمل ولكنه لم يوفق الى ذلك كما جاء في كامل ابن الاثير ، حتى أن وفق الحظ الصاحب عطا ملك ابن محمد الجويني صاحب ديوان الدولة الايلخانية . وأجرى الماء اليها سنة ستة وسبعين وستمائة ( فرحة الغري ص 60 ) . وعند زيارة الشاه اسماعيل الاول الصفوي للنجف سنة 914 لم يغفل من تجديد وكري النهر الذي كان مشرفا على الاضمحلال . وقد كلفه ذلك حوالي 200000 تومان ـ من نقود تلك الايام ـ وأطلق عليه اسم ( النهر الشريف ) . ( فارسنامه ناصري ج 1 ص 13 ) . وفي سنة 1022 هـ جدد وعمر مجرى النهر ( الشريف ) الشاه عباس الاول الصفوي وكان يروم الى حفر قنوات تحت الارض من مسجد الكوفة الى النجف ، ثم يوصلها الى بحر النجف ، وكان ذلك سنة 1033 هـ ( فارسنامه ناصرى ج 1 ص 141 ) وفي سنة 1041 هـ بسعي

( 97 )

فعندها غير مجراه الى هذا المستوى المنخفض . حتى كاد أن يقضي أبديا على فرات الحلة لولا تدارك وعناية المغفور له السلطان عبد الحميد الثاني العثماني . اذ كلف شركة جاكسن الانكليزية بتدارك ذلك . فشيدت الشركة المذكورة السدة القائمة اليوم . وكان قد عجز قبل ذلك ولاة بغداد ـ وكبدهم الكثير من الخسائر ـ من تشييد السدود لنفس الغاية .
فعلى أثر تشييد السدة الموجودة اليوم ارتوت أراضى الحلة وكربلاء واستمر بها جري الماء طول أيام السنة .
النهر السليماني ( الحسينية )

حتى ورد العراق سليمان القانوني العثماني فاتحا أبان حكم الشاه طهماسب الصفوي الاول سنة احدى وأربعين وتسعمائة .
قال نظمي زادة في ( كلشن خلفاء ) (28) : في 28 جمادي الاول سنة 941 هـ قصد الملك المحمود الصفات لزيارة العتبات العاليات ، واتجه نحو كربلاء والنجف ، وزار مرقد سيد الشهداء المنور ، ونال قصب سبق مرامه ،
____________
الشاه صفي الصفوي شق نهرا من فرات الحلة الى مسجد الكوفة وأمرره قرب قصر الخورنق ثم اوصل الماء الى بحر النجف . ولغرض خزن مياه هذا النهر شيد خزان كبير في وسط البحر ثم بواسطة قناة تحت الارض اوصلوا الماء الى داخل سور النجف ( روضة الصفاى ناصرى المجلد الثامن ) . وقد أرخ هذا العمل المجيد بعض شعراء الفرس بقصيدة مطلعها :
شاه اقبال قرين خسرودين شاه صفي انكه خاك قد مش زبور أفسر امد
( عادل )
فارس نامه ناصري ج 1 ص 145 .
(28) باللغة التركية مخطوطة في مكتبة المؤلف ( ص 97 وجه ) وقد ترجم المؤلف هذا النص من التركية .

( 98 )

وأمر بحفر نهر كبير من عمود الفرات لارواء ساحة كربلاء ، فأصبحت نمونه من سلسبيل الفردوس الاعلى ، ووهب مجموع حاصلات ضياعه للمجاورين والخدمة الساكنين ، كان على مر العواضف تملأ النهر من ما تراكم في قعره من الصخور . يزاحم تطهيره السادات الكرام . ويكبدهم زحمات كثيرة ، وعلى أثر جريه احاطت بالحرم الذي الملائكة امناؤه ، حدائق وبساتين حتى حاكى الجنان ، وأجلى عن قلوب ساكنيه التكليف ، لما اجتمع لهم من أسباب الراحة ورغد العيش . على أثر تحقيق أرباب التاريخ في الماضي ، بعض المهندسين البارزين حسب اقيستهم (31) الهندسية ظهر انخفاض مستوى الفرات ، وارتفاع قصبة كربلاء . كان من المستحيل جريان الماء فيه . فمن كرامة الامام ويمن اقبال الملك العالي المقام ، جرى الماء بسهولة ، مما سبب اقحام المهندسين ، واستوجب تحسين الملأ الاعلى .
اطلق على هذا النهر حسب منطوق الوثائق القديمة لبعض الحدائق
____________
(29) وقد جاء في أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث تأليف لونكريك وترجمة الاستاذ جعفر الخياط . ص 24 ) عن زيارة سليمان القانوني لكربلاء مايلي :
كانت عنايته الثانية أن يزور العتبات المقدسة في الفرات الأوسط . وأن يفعل هناك أكثر مما فعله الزائر الصفوي في العهد الاخير ، فوجد كربلاء المقدسة حائرة في حائرها ، بين المحل والطغيان ، إذ كان الفرات الفائض في الربيع يغمر الوهاد التي حول البلدة بأجمعها من دون أن تسلم منه العتبات نفسها ، وعند هبوط النهر كانت عشرات الالوف من الزوار يعتمدون على الري من آبار قذرة شحيحة ، لرفع مستوى ( روف السليمانية ) وهي سدة لاتزال نافعة لوقاية البلدة من الفيضان ، ثم وسع الترعة المعروفة بالحسينية ، وزاد في عمقها لكي تأتي بالماء باستمرار الخالية المغبرة حولها بساتين وحقول قمح . وصارت هذه الترعة تنساب في أرض كان الجميع يظنونها أعلى من النهر الأصلي ، فاستبشر الجميع للمعجزة واقتسم الحسين الشهيد والسلطان التركي جميع الثناء والاعجاب .

( 99 )

بالنهر ( الشريف السليماني ) . وفي سنة 1217 هـ عندما أراد أن يقيس أبو طالب في رحلته ( مسير طالبي ) (32) عرض شط الهندية . قال : هو على غرار نهر الحسينية ـ الاسم الذي يعرف به اليوم مع ما طرأ على عدوتيه من تغيير وتبديل ، هو اليوم عين النهر الموجود يروي ضياع كربلاء وبساتين ضواحيها باسم نهر الحسينية . كان منفذه الرئيسي ينتهي الى هور السليمانية الواقع في القسم الشرقي من البلاد ، على مسافة بضع أميال ، والفرع الذي اختص لارواء السكنة والمجاورين كان يطوق المدينة من ثلاث جهات . حيث الشمال والغرب ثم ينعطف نحو الجنوب ويتجه شرقا حتى يصل الى منفذه الرئيسي في هور السليمانية .
أنفق السيد كاظم الرشتي من فضله مصرف تجديد انشاء المسجد الواقع في القسم الشرقي من الصحن الحسيني وبتبرع زوجة محمد شاه القاجاري ملك ايران أنفذ ( نهر الرشتية ) الى الزرازة وبطيحة أو هور أبو دبس ، ولتبرع أحد المحسنين من رجال حاشية الشاه عباس الاول الصفوي أبان احتلال الدولة الصفوية للعراق ( 1033 ـ 1042 هـ ) جدد صدرا لهذا النهر .
____________
(30) كتاب مسير طالبي هو من تأليف : أبو طالب بن محمد الاصفهاني . دون فيه مشاهداته وملاحظاته عن البلدان التي مر بها في رحلته ، فقد بدأ رحلته من الهند وسافر الى انكلترا ومنها الى فرنسا ، ثم عبر البحر الابيض قاصدا اسلامبول ، ومن اسلامبول شد رحاله الى بغداد عن طريق بر الاناظول . ومنها الى سامراء ثم الى كربلاء . ثم سافر الى الغري عن طريق الحلة ، ثم عاد بعد ذلك مقفلا الى بغداد . ثم رحل منها الى البصرة . ومنها الى بومبي . وفي بومبي لاقى السيد عبد اللطيف الشوشتري قريب المرحوم السيد نعمة الله الجزائري صاحب كتاب ( تحفة العالم ) ثم ختم رحلته بعودته الى كلكته .
( 100 )

وقد قام حسن باشا والي بغداد (33) لسنة 1329 هـ على الخلل الذي طرأ على مجرى هذا النهر فحفر له صدراً آخر . ويوجد اليوم في شمال قضاء المسيب جانب البو حمدان في ضيعة هور حسين ترعة يطلق عليها بصدر الحسينية العتيق . وكان لها قنطرة قائمة متينة على محاذات خان الوقف الذي هدم حديثاً لغرض فتح الشارع المقابل للجسر الثابت الذي انشأ لربط جانبي القضاء . قد يكون هذا الصدر أحد تينك الصدرين اللذين مر ذكرهما . وعلى ما أتخطر هدمت القنطرة السالفة الذكر لاستعمال أنقاضها في بناء الناظم الذي أقيم على صدر الحسينية ، القائم ليومنا هذا أي في سنة 1324 هـ .
وعلى أثر التغيير الذي طرأ على مجرى عمود الفرات باحداث الهندية بأمر آصف الدولة الهندي (34) أشكل علينا معرفة الفوهة الاصلية لنهر الحسينية . وكذلك موقعه الذي اختير له من الفرات عند حفره بأمر سليمان القانوني سنة 941 هـ ومن المحتمل أن تكون فوهته بمقربة من مأخذ وفوهة نهر نينوى القديم على التقريب .
____________
(31) كلشن خلفاء خط . ص : 241 وجه .
(32) جاء في تحفة العالم لمير عبد اللطيف الشوشتري . ط الهند . ص 348 عن آصف الدولة ما ترجمته ( آصف الدولة بهادر يحيى خان من أحفاد سعادت مندخان برهان الملك الذي هو من أعاظم امراء محمد شاهي . وفي التاريخ النادري مجمل من أحواله مسطور فيه . كان من أعاظم نيشابور وآصف الدولة سواء في الرئاسة أو ضبط المملكة وتنسيق الامور لم يكن كما ينبغي . . . . ولكنه كان حاتم زمانه في السخاء والكرم الفطري . . . وكان قد بنى رباطا كبيرا لهجة الزائرين وسكنة العتبات العاليات وكان دائما غاصا بعدد كبير من الزائرين وكان الزائرون من يوم ورودهم الى هذا

( 101 )

الطف :
الطف : بالفتح والفاء المشددة ، ما أشرف من الجزيرة على ريف العراق .
يحدث الاصمعي : يطف لك ، أي ما دنا وأمكن وطف الفرات : الشاطئ منه (1) ، مع شمول لفظة لكل ساحل ماء ، وجمعه طفوف (2) . اطلق على سبيل العلمية على الساحل الغربي من عمود الفرات حتى آخر حدود الريف ما يتاخم الجزيرة عرضا ، من الانبار حتى بطائح البصرة طولا ويضاف اليه في بعض مواقعه طف كربلاء ، ونينوى ، وشقران (3) وسفوان (4) .
وعلى أثر تعاقب من حكموا العراق من ملوك مختلفين في اللغة كالكلذانية الاولى والثانية ، وملوك الفرس الاعاجم ، والعرب في الدور الجاهلي ثم الاسلامي ، حسب لغتهم ، أطلقوا على المدن والقرى والضياع والانهار ، في كل دور وطبقة ، أسماء أو تحوير لاسمائها الاصلية بحسب
____________
الخان حتى خوجوهم منه يصرف لهم مقدارا من المال كل على قدره ومرتبته . ومن آثاره الخيرية هي جلبه الماء الى أرض الغري الذي كان امنية السلاطين العظام وقد عجزوا عن اقحامه . . . وقد شيد قرب داره في الهند مسجدا ودارا لاقامة مجالس التعزية الحسينية فيها . وقد كلفه ذلك الأموال الجزيلة . وقد توفي سنة 1310 هـ ـ برواية الشيخ عبد العزيز الجواهري في كتابه آثار الشيعة الامامية جـ 4 . ( عادل )
(1) معجم البلدان لياقوت الحمودي جـ 6 ص 51 ، ومراصد الاطلاع لعبد الحق البغدادي .
(2) لسان العرب لابن منظور جـ 11 ص 125 .
(3) شعراء النصرانية جـ 2 للويس شيخو اليسوعي ط بيروت سنة 1890 .
(4) العقد الفريد لابن عبد ربه الاندلسي جـ 3 ص 114 .

( 102 )

اللهجة واللغة . وابان حكم المسلمين للعراق ، كانت الاسماء الدراجة على موقعها خليط من قبطية وكلدانية وآرمية فارسية وعربية ، كباروسيما بانقيا ، بورسيبا ، بابل ، نينوى : ( كلداني )
استان ، بهقباذ الاعلى ، الاوسط ، الاسفل . صراط جاماسب ضيزن آباد نيرس ، ( آري فارسى ) .
طف ، حيرة ـ غري ، قادسية ، عذيب خفان ، سنداد ، قطقطانة ، قصر بني مقاتل ، انبار ، عين التمر ، عربي لدور التنوخيين آل نصر المناذرة ملوك الحيرة .
والمسلمون بدورهم أطلقوا أقساس مالك ، كوفة ، بصرة ، سوق حكمة ، سواد ، جرف ، حاير ، غاضرية ، حزن غاضرة ، حصاصة ، طسوج النهرين على المواقع التي اشتهرت به .
وعلى بعض الاسماء الدراجة بتعريب أو تخفيف كبرس لبورسيبا . ( قصر اللغات ) ومن الممكن لكربلاء من كور بابل .
وقد اقتصر ابن النديم في فهرسته على اللغة البابلية أو الكلدانية (5) : ( النبطي أفصح من السرياني ، والذي يتكلم به أهل القرى سرياني ، مكسور وغير مستقيم اللفظ ، وقيل الذي يستعمل في الكتب أو القراءة هو الفصيح ) . من غير أن يلم بصور مفردات حروفه . ومن الممكن ان رسم خط الأسفيني البابلي والهيرغلوفي المصري ، أهملا وانقرضا على أثر سقوط بابل ومصر على أيد داريوس من ملوك الطبقة الثانية الكلدانية .
وعند تحري الجغرافيين لتدوين أسماء المواقع ، اقتصروا على وجوه الاشتقاقات على اللغة العربية دون العطف على المعاني للغات الادوار الغابرة
____________
(5) ص 18 ط القاهرة .
( 103 )

كما ذهبوا الى تحليل لفظ العراق من اشتقاقه من عراق القربة ولفظ بغداد من تعريب باغ داد ( أي حديقة العدل ) أو العطية ، مع اختلاف في ضبط لفظته بسبعة وجوه . ومع قناعة لسترانج في اشتقاقه من بغ ( الله ) و (داد ) تأسيس (6) يشير الى وجود مدينة في العهود الغابرة في موقع بغداد يقارب هذا الاسم ، ومن الممكن لوجود حرف الباء في أول لفظ بغداد أن يكون بابليا أو آشوريا لديهم في الاستهلال به في الاسماء المطلقة لادوارهم بالنبطية كبانقيا وباروسيما وبابنورا وبريسما ونور سيبا ، ذكر اللغويون : أن عدد المائة في اللغة النبطية يعبر عنه بحرف الباء .

الحائر :


الحاير بعد الالف ياء مكسورة وراء ، هو في الاصل حوض طبيعي لانخفاضه يجتمع فيه مياه الامطار فيركد فيه لما لا يرى مخرجا أخفض من مستواه ، وعند هبوب الرياح يتحرك الماء بطبيعة الحال اذ يرجع أقصاه الى أدناه ينتهي الى المحل الذي ابتدأ منه أولا فيتحير فيه . أو بالهبوب يتحرك بحركة دورية على نفسه مطمئن الوسط مرتفع الجوانب .
وذكروا في جمعه حوران ، ونفى أبو القاسم برواية الحموي في المعجم من أن يكون له جمع على أنه اسم علم لموضع قبر الحسين (ع) (8) .
وليومنا لم يطرأ على وضعه الطبيعي الذي وضعوه أي تغيير ، سوى ارتفاع مستواه وقاعدته عما كان عليه يوم ضمت تربتها أجداث الجثث
____________
(6) بغداد في عهد الخلافة العباسية لليسترنج . راجع معجم البلدان جـ 2 ص 230 ط القاهرة .
(7) راجع لسان العرب لابن منظور جـ 4 ص 223 . وتاج العروس للزبيدي جـ 3 ص 164 . والصحاح جـ 2 ص 640 .
(8) معجم البلدان جـ 3 ص 203 .

( 104 )

الطاهرة . فاذا قصد الوارد الى الروضة الزاكية ينحدر الى الصحن الشريف من كافة جهاته مع اختلاف في الارتفاع الذي كان الجرف لنفس الحوض . ومن الممكن أن يكون سبيل مصب المياه فيه كان من قسمه الشرقي لما ورد عن الامام الصادق في ترتيب آداب الزيارة منه الدخول الى مستوى هذا الحوض ، أي الحائر . ولتوالي الابنية التي كانت تقام للروضة الطاهرة بحكم الضرورة والتجديد في أدوار متعاقبة تكون بالتدرج ارتفاع مستواه (9) .
بلغني عند تبليط الصحن الاقدس وبناء أسرابه في العقد العاشر من خاتمة القرن الثالث عشر الهجري ، شوهد في القسم الجنوبي قطعة من حصن قائم لاحد أدوار تطور البناء يقارب شرفاته مستوى التبليط تقريبا .
____________
(9) جاء في مجلد المزار من بحار الانوار ط : تبريز سنة 1301 هـ ص 76 ما نصه : اختلف الأصحاب في حد الحاير . فقيل : انه القبة الشريفة فحسب . وقيل : هي مع ما اتصل بها من العمارات كالمسجد والمقتل والخزانة وغيرها ، والأول أظهر لاشتهاره بهذا الوصف بين أهل المشهد آخذين عن أسلافهم ، ولظاهر كلمات أكثر الاصحاب . قال ابن ادريس في ( السرائر ) المراد بالحائر : ما دار عليه سور المشهد والمسجد عليه قال لان ذلك هو الحاير حقيقة . لان الحاير في لسان العرب الموضع المطمأن ، لسان العرب جـ 4 ص 223 الذي يحار فيه الماء . وذكر الشهيد في ( الذكرى ) ان في هذا الموضع حار لما امر باطلاقه على قبر الحسين (ع) ليعفيه فكان لا يبلغه ، وذكر السيد الفاضل أمير شرف الدين علي الشولستاني المجاور بالمشهد الغروي قدس الله روحه . وكان من مشايخنا ـ اني سمعت من كبار الشاميين من البلدة المشرفة ان الحاير : هو السعة التي عليها الحصار الرفيع من القبلة واليمين واليسار . وأما الخلف ما ندري له حد . وقالوا هذا الذي سمعناه من جماعة من قبلنا انتهى . وفي شموله لحجرات الصحن أشكال لا يبعد أن يكون ما انخفض من هذا الصحن الشريف يكون داخلا في الحاير دون ما ارتفع منها وعليه أيضا شواهد من كلمات الأصحاب .
( 105 )

شاهدت بنفسي عند أخذ أساس الضلع الغربي من الصحن بأمر المغفور له عبد الحميد الثاني العثماني لتجديد البهو الكبير وغرفه الشمالية في مستهل القرن الرابع عشر : تنور ، والطابق الاول من دور ما لا يقل انخفاضه عن مستوى التبليط بأقل من خمسة أمتار تقريبا .
لم يغب عن ذاكرة الحسين (ع) مع حراجة موقفه وتكابده لاهوال غير مستطاعة من عطف النظر حتى الى ما بعد مصرعه لئلا يدع سبيلا لغرض الأشلاء الى الضياع والتلف . اختار مركزاً في وسط مستوى هذا الحوض وعلمه بفسطاط يقاتلوا أمامه ولنقل الاشلاء من مصارعهم في ساحة المعركة اليه . أمر فتيانه بحمل ولده ( علي ) من مصرعه حتى وضعوه بين هذا الفسطاط . وحمل بنفسه الزكية جسد ابن أخيه القاسم وألقاه مع ولده وحوله القتلى من أهل بيته الهاشميين بجانب دون جانب أنصاره . ولولا عطفه كان من المستحيل تمايزهم خاصة بعد أن اقتطفت الرؤوس من الاجساد ورفعت على الرماح . وأمام هذا الفسطاط في نفس الحوض شاهده عبد الله بن عمار البارقي بمفرده وهو راجل ، فشد عليه رجاله ومن يمينه وشماله ، حمل عليهم أن يذعروا قال : ما رأيت مكسورا وقيل مكثورا قط قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ولا أمضى جانبا وأجرا مقداما قبله ولا بعده مثله . وكانت الرجالة تنكشف عنه يمينا وشمالا انكشاف المعزا اذا شد فيها الذئب . وفي عين المحال برزت السيدة زينب تقول ( ليت السماء تطابقت ) وأشارت الى ابن سعد : أيقتل أبوعبد الله وانت تنظر إليه ، سالت دموعه على خده ولحيته وأدار طرفه وهو يتقي الرمية ويفترس العورة ويشد على الخيل حتى ضربه زرعة بن شريك على حبل عاتقه وكفه اليسرى . وانفرجوا عنه فصار ينوء ويكبو . أن بلغ مقتله من محل مصرعه .